الذهبي

418

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

ونهبهم ، وحصل له في نفوس أتباعه من التصديق والبركة ما لا يحوزه الوصف . وقال القاضي شمس الدّين : طالت المدَّة على ابن تُومَرْت ، فشرع في حيلة ، وذلك أنّه رأى أولاد المصامدة شُقْرًا زُرْقًا ، ولون الآباء سمر ، فسألهم عن ذلك ، فلم يجيبوه ، ثم ألحّ عليهم فقالوا : نحن من رعيَّة أمير المسلمين عليّ ، وله علينا خَراج ، وفي كلّ سنة تصعد مماليكه إلينا ، وينزلون في بيوتنا ، ويخرجونا عنها ، ويخلُون بنسائنا وما لنا قُدرة على دفع ذلك ، فقال ابن تُومَرْت : والله ، الموتُ خيرٌ من هذه الحياة ، كيف رضيتم بهذا ، وأنتم أضربُ خلْق الله بالسّيف وأطعنهم بالرُّمح ؟ قالوا : بالرّغم منّا ، قال : أرأيتم لو أنّ ناصرًا نصركم على هؤلاء ، ما كنتم تصنعون ؟ قالوا : كنّا نقدَّم أنفسنا بين يديه للموت ، فمن هو ؟ قال : ضيفكم ، فقالوا : السّمع والطّاعة ، فبايعهم ، ثمّ قال : استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح ، فإذا جاؤوكم فأجْرُوهم على عادتهم ، ثمّ مِيلُوا عليهم بالخُمُور ، فإذا سكروا فآذنوني بهم ، فلمّا جاءوهم ففعلوا ذلك بهم وأعلموه ، فأمر بقتلهم ، فلم تمض ساعة من اللّيل حتّى أتوا على آخرهم ، وأفلت منهم واحد ، فلحِق بمَرّاكُش ، فأخبر الملك ، فندِم على فوات محمد من يده حيث لَا ينفعه النّدم ، وجهّز جيشًا ، وعرف ابن تومرت أنه لابد من عسكرٍ يفجؤهم ، فأمر أهل الجبل بالقعود على أنقاب الوادي ، فلّما وصلت إليهم الخيل نزلت عليهم الحجارة من جانَبي الوادي كالمطر ، ودام القتال إلى اللّيل ، فرجع العسكر ، وأخبروا الملك ، فعلم أنّه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصُّنهم ، فأعرض عنهم . ثمّ قال ابن تُومَرْت لعبد الله الوَنْشَريسيّ : هذا أوان إظهار فضائلك وفصاحتك دفعةً واحدة ، ثمّ اتّفقا على أن يُصلّي الصُّبح ، ويقول بلسانٍ فصيح : إني رأيت في النّوم أنّه نزل بي مَلَكان من السماء ، وشقّا فؤادي ، وغسّلاه ، وحَشَياه عِلْمًا وحكمة ، فلّما أصبح فعل ذلك ، فدُهشوا وعجبوا منه ، وانقادوا له كل الانقياد ، فقال ابن تومرت له : فعجل لنا البشرى في أنفسنا ، وعرّفنا أَسُعَداءُ نحن أمْ أشقياء ؟ فقال له : أمّا أنت فإنّك المهديّ القائم بأمر الله ، مَن تبعك سَعد ، ومَن خالفك شقي .